العلامة المجلسي

406

بحار الأنوار

أن يشد في رجله حبل ، ويسحب على وجهه في الأسواق ، ثم يصلب في مجتمع الناس ، ليكون عبرة لمن اعتبر ، ولا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبدا وأما زيد المجنون فإنه ازداد حزنه واشتد عزاؤه وطال بكاؤه وصبر حتى أنزلوه من الصلب وألقوه على مزبلة هناك ، فجاء إليه زيد فاحتمله إلى الدجلة وغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه ، وبقي ثلاثة أيام لا يفارق قبره ، وهو يتلو كتاب الله عند ، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخا عاليا ، ونوحا شجيا ، وبكاء عظيما ، ونساء بكثرة منشرات الشعور ، مشققات الجيوب ، مسودات الوجوه ورجالا بكثرة يندبون بالويل والثبور ، والناس كافة في اضطراب شديد ، وإذا بجنازة محمولة على أعناق الرجال وقد نشرت لها الاعلام والرايات ، والناس من حولها أفواجا قد انسدت الطرق من الرجال والنساء قال زيد : فظننت أن المتوكل قد مات ، فتقدمت إلى رجل منهم وقلت له : من يكون هذا الميت ؟ فقال : هذه جنازة جارية المتوكل وهي جارية سوداء حبشية وكان اسمها ريحانة ، وكان يحبها حبا شديدا ، ثم إنهم عملوا لها شأنا عظيما ودفنوها في قبر جديد ، وفرشوا فيه الورد والرياحين ، والمسك والعنبر وبنوا عليها قبة عالية فلما نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه ، وتصاعدت نيرانه وجعل يلطم وجهه ويمزق أطماره ، ويحثي التراب على رأسه ، وهو يقول : واويلاه وا أسفاه عليك يا حسين أتقتل بالطف غريبا وحيدا ظمآنا شهيدا ، وتسبى نساؤك وبناتك وعيالك ، وتذبح أطفالك ، ولم يبك عليك أحد من الناس ، وتدفن بغير غسل ولا كفن ، ويحرث بعد ذلك قبرك ليطفؤا نورك وأنت ابن علي المرتضى ، وابن فاطمة الزهراء ، ويكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء ، ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمد المصطفى قال : ولم يزل يبكي وينوح حتى غشي عليه والناس كافة ينظرون إليه فمنهم من رق له ، ومنهم من جنى عليه ، فلما أفاق من غشوته أنشد يقول : أيحرث بالطف قبر الحسين * ويعمر قبر بني الزانية